صفي الرحمان مباركفوري
68
الرحيق المختوم
المرحلة الثانية الدعوة جهارا أول أمر بإظهار الدعوة أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] والسورة التي وقعت فيها الآية - وهي سورة الشعراء - ذكرت فيها أولا قصة موسى عليه السلام من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل ، ونجاتهم من فرعون وقومه ، وإغراق آل فرعون معه ، وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى عليه السّلام خلال دعوة فرعون وقومه إلى اللّه . أرى أن هذا التفصيل إنما جيء به حين أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدعوة قومه إلى اللّه ، ليكون أمامه وأمام أصحابه نموذجا لما سيلقونه من التكذيب والاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة ، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ بداية دعوتهم . ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السورة على ذكر مال المكاذبين للرسل ، من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب الأيكة - علاوة ما ذكر من أمر فرعون وقومه - ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب بما يؤول إليه أمرهم وبما سيلقون من مؤاخذة اللّه إن استمروا على التكذيب ، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم لا للمكاذبين . الدعوة في الأقربين وأول ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أنه دعا بني هاشم فحضروا ، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف ، فكانوا خمسة وأربعين رجلا . فبادره أبو لهب وقال : وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصّباة . واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة ، وأنا أحق من أخذك ، فحسبك بنو أبيك ، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش ، وتمدهم العرب ، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به ، فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يتكلم في ذلك المجلس .